الطبراني
455
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
قيل : ابتلاهم اللّه بذلك النهر ليميّز الصادق من الكاذب ، وكان أشمويل هو الذي أخبر طالوت بذلك ؛ لأنّ اللّه تعالى فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً . إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ « 1 » فلا يجوز هذا القول إلا من نبيّ . قوله تعالى : ( فَشَرِبُوا مِنْهُ ) إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ؛ نصب ( قَلِيلًا ) على الاستثناء . قرأ ابن مسعود : ( إلّا قليل ) بالرفع ، كقول الشاعر « 2 » : وكلّ أخ مفارقه أخوه * لعمرو أبيك إلّا الفرقدان ومعنى الآية : أنه لمّا عرض لهم النهر وقد اشتد بهم العطش ؛ وقعوا فيه فشربوا كلّهم أكثر من غرفة إلا قليلا منهم ؛ وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا كعدّة أهل بدر ، قال صلّى اللّه عليه وسلّم يوم بدر لأصحابه : [ أنتم على عدد أصحاب طالوت ] « 3 » . قالوا : فمن اغترف غرفة قوي وصحّ إيمانه وعبر النهر سالما لكفته تلك الغرفة الواحدة لشربه وخادمه ودوابه . وأما الذين أخذوا أكثر من ذلك وخالفوا اسودّت شفاههم واشتدّت عطشتهم فلم يرووا وبقوا على شطّ النهر وجبنوا عن لقاء العدوّ ولم يشهدوا الفتح . قوله تعالى : فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ؛ يعني لمّا جاوز طالوت النهر هو والذين صدّقوه وهم القليل الذين لم يشربوا إلا مقدار الغرفة ، قالُوا ؛ أي قال الذين شربوا وخالفوا أمر اللّه وكانوا أهل شرك ونفاق : لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ ؛ وانصرفوا عن طالوت ولم يشهدوا قتال جالوت . قال بعض المفسرين : إن القوم كلّهم جاوزوا النهر ، ثم إن الذين خالفوا في الشرب من النهر اعتزلوا من المطيعين و ( قالُوا لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ ) .
--> ( 1 ) الجن / 26 - 27 . ( 2 ) البيت لعمرو بن معد يكرب الزبيدي ( 100 ق . ه - 21 ه ) . في الديوان : ص 178 ، وهو من الشواهد . ( 3 ) أخرجه البخاري في الصحيح : كتاب المغازي : باب عدة أصحاب بدر : الحديث ( 3959 ) عن البراء رضي اللّه عنه .